السيد محمد الصدر
353
منة المنان في الدفاع عن القرآن
المشهور ، وهو الظاهر بحسب اللغة - وتنزّلنا عن الأُطروحات الأُخرى ، فيمكن أن نلحظ المقابلة بين قوله : فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ وبين قوله : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي . وما أكثر المعاني المتقابلة في القرآن ، كما في الثواب والعقاب ، والجنّة والنار ، فكلّما تعرّض القرآن للنار تعرّض للجنّة ، والعكس هو الصحيح ، وكلّما تعرّض للفاسقين والكفّار تعرّض للمؤمنين والصالحين ، والقرآن في هذه الآيات استخدم ما يسمّى باللغة الحديثة قطبين متقابلين : أحدهما في أقصى الارتفاع والآخر في أقصى الانحطاط ، فقدّم الذي هو في أقصى الانحطاط بالذكر بقوله : لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ على من هو في أقصى الكمال والرفعة بقوله : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . وليس كلّ تقابلٍ في القرآن من قبيل الأقصى إلى الأقصى ، بل قد يكون بين مجمل المؤمنين ومجمل الكافرين ، لكن في الآيات التي نحن بصددها هناك تقابلٌ بين الكاملين في النور والكاملين في الظلمة . وجديرٌ ذكره : أنَّ هذا التقابل عادةً ما يحصل بتقديم الأقصى في الدنوّ على الأقصى في العلوّ ، كما في تقديم جهنّم على الجنّة ، والكافرين على المؤمنين ، والعقاب على الثواب ، وليس العكس ، إلّا في سورة الواقعة حسب الظاهر ؛ إذ قدّم المقرّبين على أصحاب اليمين ، وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال « 1 » . وهناك سؤالٌ قد يخطر بالبال ، وهو أنَّه لماذا تتقدّم موارد العقاب غالباً على موارد الثواب ؟ وبعبارةٍ أُخرى : لماذا يُقدّم التحذير والتوبيخ ويؤخّر
--> ( 1 ) راجع سورة الواقعة ، الآيات : 88 - 94 .